المزيد
حين لا تكفي الكتب #الحضارة_المصرية_القديمة .. معرفةٌ ضاعت لأننا بحثنا عنها في المكان الخطأ

لو عدنا خمسين عاماً فقط وأخبرنا الناس بإمكانية تخزين مكتبات كاملة على رقاقة بحجم ظفر الإصبع، أو التواصل بالصوت والصورة لحظياً عبر القارات من خلال مستطيل صغير يختفي بمجرد إنهاء الاتصال، لبدت الفكرة درباً من الخيال أو الجنون، لكن ما كان خيالاً صار اليوم بديهياً في جيب كل واحدٍ منا بجهاز محمول صغير أو (ميموري كارد).. هذه المفارقة هي المدخل الأشد فاعلية للتساؤل: هل تقودنا توقعاتنا عن “أين” تسكن المعرفة إلى إغفال “كيف” كانت تُحتوى وتُفعَّل؟ وهل ضاعت أسرار التقدّم المصري القديم لأننا بحثنا عنها في “الورق”، بينما كانت مخزنة في الحجر والضوء والإيقاع والزمن؟
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الإسراء: 85
في بادئ الأمر لابد أن ندرك أن الوسيط يمكن أن يكون هو الرسالة وبدلاً من الأوراق هناك “معمار ذكي”..
في فكر الإعلام والاتصال أشار (مارشال ماكلوهان) وهو كاتب وفيلسوف كندي توفي في نفس العام الذي ولدت فيه 1980.. أشار (ماكلوهان) إلى أن الوسيط هو الرسالة؛ أي أن طريقة نقل المعرفة تؤثّر في مضمونها وطريقة تلقّيها.
وفي الأنثروبولوجيا المعرفية برزت أفكار العقل الموزّع (إدوين هاتشينز) و”العقل الممتد”، فإن الفهم لا ينغلق في الجمجمة، بل يتوزّع عبر الأدوات والبيئات والرموز، فإذا أخذنا هذا المنظور على محمل الجدّ سنرى الحضارة المصرية القديمة كأنها مختبرٌ حضاري للمعرفة الموزّعة؛ حيث تُختزن المعلومات وتُفعّل في أجسادٍ حجرية وفراغاتٍ صوتية وخطوط ضوء محسوبة وطقوس دورية، لا في النصوص وحدها.
هنا يغدو الهرم أكثر من حجارة متراصة، بل هو كتلةٌ هندسية محنّكة تُحاور الجاذبية، وتستجيب للرياح، وتلتقط الضوء، وتجرب الرنين.. ويغدو المعبد آلة كونية رمزية تُرشد السائر عبر ممراتٍ مظلّلة ونوافذ ضوئية لتوقيت معنى طقسي أو تعليمي.. والنقش الفرعوني يغدو خوارزمية ذاكرية تُقرأ بالعين والقدم والأذن معًا؛ بالقراءة والحركة والترديد.
إنّ مزالق النظر الحداثي تكمن في أننا نفكك ما كان كلًّا حيّاً فنفصل الهندسة عن الطقس، والمعمار عن الصوت، والرمز عن الحركة، وحين نفعل فلا غرابة أن تضيع الأسرار؛ لأنها مشفّرة في النظام الكلّي، لا معلّقة على جدار منفرد.
لدينا شواهد مدوّنة .. وأخرى مضمّنة ..
ليس هناك إنكار لما بين أيدينا من نصوص مصرية تثبت معرفةً متقدّمة بزمانها، فبردية (ريند) الرياضية وبردية (موسكو) تكشفان عن خبرة هندسية وحسابية، وبردية (إيبرس) وبردية (إدوين سميث) تدلّان على معارف طبية وتشريحية لافتة، بالإضافة إلى ذلك تكشف محاذاة كثير من المعابد والهرميات لنجومٍ ومسارات سماوية عن وعي فلكي دقيق كان يحكم الزراعة والطقوس.
لكن الصورة لا تكتمل بالنص وحده إذ تتبدَّى المعارف أيضاً في اختيارات المواد (جرانيت أسوان الصلد، الجير، الديوريت)، وفي الصقل واللمعان والتوجيه، وفي الهندسة الصوتية لفراغاتٍ تتضاعف فيها الهمسات إلى صدىً مهيب، وفي شبكاتٍ لوجستية لإدارة النقل والعمال والأدوات والمواسم، هذه كلها معرفة مضمّنة لا تُكتب بسهولة، بل تُكتسب بالتلمذة وبالتكرار وبالممارسة الدقيقة.
إن أسرار التقدم قد لا تكون “جملةً” على حجر، بل نِسَبُ خلطٍ، أو قوس فتحة، أو زاويةُ صقل، أو ممر ينغلق إلا في يومٍ فلكيٍّ محدّد يعبره ضوءٌ إلى موضعٍ بعينه، فإذا انقطع الحبل المؤسسي والطقسي الذي يجمع هذه العناصر، بقي الأثر كمخطّط بلا مفتاح.
لماذا لا تُورَّث الأسرار بسهولة؟ سلم الثقافة المرهف ..
تبيّن دراسات الثقافة التراكمية (مايكل توماسيلو) أن المعارف لا تنتقل معلوماتٍ مجرَّدة فحسب، بل تنتقل آليات تفعيلها ضمن سياقٍ مؤسسي.. معلم وتلميذ، طقس وتوقيت، مصطلحات مشتركة، وجماعة تتبنَّى المعنى، فإذا تكسّر هذا السلم الدقيق بفعل تحوّلٍ سياسي أو ديني أو اقتصادي أو بفعل انقطاعٍ طويل الأمد، تبطل الميكانيكا الناقلة حتى وإن بقيت مادتها الخام.
وليس تاريخ البشر فقيراً بأمثلة ضياع المعرفة ثم استعادتها أو تعويضها، فعلى سبيل المثال: الخرسانة الرومانية ظلّ سر متانتها البحرية غامضاً قروناً قبل تفكيك خطابها الكيميائي، والفولاذ الدمشقي والنار الإغريقية أمثلة على تقنياتٍ فُقِدَت وصفاتها، و”آلية أنتيكيثيرا” آلةٌ فلكية ميكانيكية سبقت عصرها وغابت طرائق صنعها طويلاً قبل أن نفهم لغتها الميكانيكية.. كل هذه الأمثلة تؤكد قانوناً حضارياً وهو أن العلم المضمّن في الوسائط والأنظمة الاجتماعية أكثر هشاشة في نقله من العلم المدون في أوراق.
العمارة (سيرفر) و (هارد ديسك) فعّال …
ليس كل علمٍ قابلاً للاختزال في معادلة مكتوبة، ثمة معرفةٌ جسدية إجرائية لا تمكث إلا في اليد التي تقيس وفي الأذن التي تختبر الصدى وفي العين التي تعرف متى “يكتمل” الصقل، لذلك فإن المعمار المصري القديم (أهرامات ومعابد ومقابر) هو مستودع خبرات في توزيع الكتل، وضبط الاهتزاز، وتمييز الإضاءة الطبيعية، وترتيب مسارات الحركة، والتي تكتمل رمزياً وتقنياً معاً.
المادة عند المصري القديم لغةٌ تُقرأ بالبصيرة، فإختيار نسب الخلط، وخصائص الحجر، وسطحه، واتجاه عروقه، وزاوية تقابله مع مسار الشمس.. كل ذلك نص بلغته، وإذا لم نستعد هذه اللغة بالمختبر وبالفهم الرمزي سنبقى نرى “شكلاً” باهراً دون أن نسمع “صوته الداخلي”، كمن يقف منبهراً أمام شاشة تلفاز كبيرة ولكنها مطفأة ولا يدري كيف تعمل فلا يشاهد برامج ولا مسلسلات ولا أفلام سينمائية ولا حتى مباريات كرة قدم!!
الحركة الصوتية، وترديد نصوص في فضاء بعينه، ومسار محدد داخل ردهات، والتزامن مع موعد نجمي أو موسمي.. هذا كله خوارزمية اجتماعية تضبطها المعابد، فالنقش جزء من البروتوكول، لكنه ليس البروتوكول.
ومن هنا نفهم أن الأثر لا يبوح بسرّه إلا لمن يحمل مفتاح طقسه..
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فصلت: 53
في الآفاق (الكون والبيئة) والأنفس (الطقس والجماعة) دلائلُ علمٍ يتكامل ولا يتجزّأ.
النظرة الحداثية تفصل –غالباً– بين “العلمي” و”الديني”، لكن الحضارة المصرية القديمة وحدت خريطة المعنى فجعلت التقويم الفلكي جزءًا من العبادة، والهندسة جزءًا من الطقس، والطب جزءًا من الحكمة، وهذا الدمج لا ينفي العقلانية، بل يُؤطرها في سردية كونية تعطي للتجربة والقياس والمعايرة مكانها ضمن معنى عمي، لذلك يبدو لنا منجزهم “مذهلًا” لأننا نقرأه خارج خريطته الأصلية، ومن هنا فإن عدم توارث الأسرار ليس لغزًا كاملًا؛ إذ بزوال الخريطة الجامعة (بتغيّر الدين الرسمي، أو تبدّل السلطة، أو انهيار مؤسسات التلمذة)، تعطّلت آلات النقل وإن بقيت آثارها قائمةً تشهد على ما كان.
المصريون القدماء يعلموننا قراءة “الكلّ” ، فعظمة المصريين القدماء تكمن في قدرتهم على تحويل العلم إلى نظام حياة .. التقويم فلكي يضبط إيقاع الزراعة والفيضان، العمارة تستجيب للشمس والنجوم والرياح وتضبط الصوت والظل، والطقس يربط الفرد بالجماعة والكون ويستدعي النظام من فوضى الطبيعة، والكتابة تحفظ الذاكرة وتعلِّم وتوجِّه.. إنها ليست مباني وتعاويذ متناثرة، بل لغة شاملة كتبتها حضارة على جسد المكان والزمان معًا.
﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ آل عمران: 191
قراءة الأثر على هذا النحو عبادة عقل وقلب معاً.. نفي العبث عن الكون، والبحث عن الحكمة في تفاصيله.
إذا كنا اليوم نخزن العوالم في شرائحٍ ميكروية ونفعّلها بإشاراتٍ خفية، فما الذي يمنع أن يكون القدماء قد امتلكوا وسائطهم “الذكية” لتخزين المعرفة وتفعيلها؟
ربما على نمط “فلاش ميموري فرعوني بلّوري غير مرئي”.. وإن كنت أرى الذاكرة كلها حاضرة أمامنا وكل ما نحتاجه هو لغة قراءة كاملة تجمع النص إلى الحجر، والحس المخبري إلى الفهم السيميائي، والهندسة إلى الفلك، والعلم إلى الطقس، ضمن خريطة معنى تشبه الخريطة التي صنع بها المصريون عالمهم..
حينئذ سنكتشف أن “الاختفاء” لم يكن اختفاء، وأن الأسرار لم تغادر، بل انتظرت من يُعيد تشغيلها، وسنسمع صدى حجرٍ قديمٍ يقول: ” كنت أكتب لكنكم قرأتموني بعيون لا تعرف لغتي”، فهل يأتي يوم تعود لتلك اللغة مفاتيحها؟
ليست نهاية حديث، بل بدايته.. دعوة لأن نبحث، ونتعاون، ونقرأ الكون كما أراد المصريون يوماً .. قراءة الكلّ.




