المزيد

د. احمد ابو عليو يكتب رمضان الخروج من سجن التفاصيل إلى فضاء المعنى

نفحات رمضانية

رمضان الخروج من سجن التفاصيل إلى فضاء المعنى

إن أكثر ما يجهد الإنسان المعاصر هو استغراقه في تفاصيل الحياة اليومية من هموم العمل، ضغوط العلاقات، قلق المستقبل حتي يصل إلي أوجاع الماضي.

هذه التفاصيل مع شرعيتها تصبح سجنا حين تطغى على البعد الوجودي للحياة.

وحيث أن أخطر سجون الإنسان هي تلك التي يبنيها بنفسه سجن الشهوة التي لا تشبع، وسجن الغضب الذي يلتهم صاحبه، وسجن الأنانية التي توحش الروح. نجد ان الانسان حين يصوم يمارس هروباً استراتيجياً من هذه السجون، فيكتشف أن السعادة الحقيقية لا تكمن في امتلاك المزيد، بل في الحاجة إلى الأقل.

وفي هذا الاكتشاف، يجد الإنسان نفسه حراً ليس لأنه ملك الدنيا، بل لأنه تحرر من عبودية رغباته .

ومن هنا نجد أنه من نفحات شهر رمضان انه يقدم لنا وقفة زمنية نخرج فيها من هذا السجن المؤقت بكل تفاصيله إلي فضاء المعني بجميل حروفه فحين نصوم نتذكر أننا لسنا مجرد أجساد تطلب الشبع، بل أرواح تطلب الكمال.

وحين نقوم الليل، نتذكر أن الحياة ليست مجرد نهار للسعي، بل ليل للتأمل والارتباط بالسماء.

هذه الوقفة ليست هروبا من الواقع، بل هي عودة إلى جوهره فالإنسان لا يعيش ليأكل، بل يأكل ليحيا حياة ذات معنى.

إن صوم رمضان الحقيقي لا يكون بالتفكير في شراء التمر والمشروبات ولا بنهم تناول ألوان الاطعمة، بل بتزكية القلب قبل أن يزكى الجسد.

أن تجعل نصب عينيك أن لقائك مع القرآن كأنه نزول جديد للوحي. بكل ما تحمله مشاعرك من تدبر وتفكر لآيات الذكر الحكيم .

وأن تعد لسجودك كأنه آخر سجود في حياتك . وأن تعد لعطشك كي تجعله فرصة لتذوق عطش القلوب التي تشتهي القرب من الله.

إن صوم رمضان هو فرصة في أن تصلح نيتك قبل أن تصلح صيامك فإنما الأعمال بالنيات.

فحين تصوم رمضان بقلب مهيأ، تجد أن كل لحظة فيه تحمل بذرة تحول فالجوع يذكرك بجوع المساكين فتفيض يداك بالعطاء، والظمأ يذكرك بظمأ القلوب عن ذكر الله فينطلق لسانك بالدعاء، والوحدة في السحور تذكرك بوحدانية الخالق فتتعمق عبوديتك للواحد الديان.

إن رمضان ليس موسما سنويا نمر به، بل هو دعوة دائمة للعودة إلى الذات، وللتحرر من أسر التفاهات التي تلهينا عن جوهر وجودنا.

ففيه يتعلم الإنسان أن أعظم انتصاراته ليست على الآخرين، بل على شهواته,

وأن أسمى حرياته ليست في امتلاك العالم، بل في تحرير قلبه من رهاناته.

ايها السادة

بعد كل هذا ليكن صيامنا إذن لا بقلوب جائعة للطعام، بل بقلوب عطشى للرحمة، راغبة في المغفرة، طامحة إلى العتق من النار.

لأنه في هذا الشهر تفتح السماء أبوابها، وتمد الأرض بجسور النور، فمن أراد أن يعبر فليلق بنفسه في بحر رحمة الله، فإنه سبحانه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

هنيئا لمن جعل رمضان محطة انطلاق نحو ذاته الأعمق، ونقطة تحول في مسيرته إلى الله.

وليعلم انه في هذا الشهر، لا يغفر للإنسان ذنبه فقط، بل يوهب فرصة البدء من جديد بقلب نقي، وروح مشرقة، وعهد متجدد مع السماء.

فإن رمضان يأتي كفرصة للإنقاذ الروحي، حيث ينتشل الإنسان من الاستغراق في التفاصيل المرهقة، ويعيد توجيه بصره إلى المعنى الأعمق للوجود.

أرأيتم كيف أن شهر رمضان هو فرصة ثمينة للخروج من سجن التفاصيل إلى فضاء المعنى .

كل عام وحضراتكم بخير .

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق