مقالات

التصالح مع النفس


بقلم/ أيمن بحر
هو من وجهه نظري مرتبة من مراتب الزهد . فالزهد من وجهه نظري ليس ترك الدنيا وإرتداء الممزق من الملابس أو إرتداء الخيش , ومجانبة الناس , والبعد عنهم , وعدم الإستحمام . فربما تلك مرحلة لم أصل إليها في فكري وفي قناعاتي ولا أعرف كنهها , وربما ذلك لنقصي في تركيبتي أنا , وربما لأنني ما زلت متعلقة بمباهج الحياة .
أو ما يسمهيها البعض الحياة العادية . من حب العيش الرغيد أو الرفاهية , فلا تزال في نفسي حب وتطلع للرفاهية .
لا زلت أعشق الجميل من الأماكن والجميل من الطعام والشراب , بعكس أولئك الزاهدون الذين يرون أن حبهم لما عند الله يغنيهم عن حب ما في الحياة . ويطمحون في الآخرة أكثر من طموحهم في الحياة الدنيا . ولا يهتمون بما يأكلون ولا أين ينامون .
لذا أنا أختلف عنهم ولكن في النهاية أري أن التصالح مع النفس هو مرحلة رائعة من مراحل الزهد . فعندما أتصالح مع نفسي لا أكره أحد , ولا أطمع فيما عند أحد , ولا أغير من أحد , ولا أتمني ما فضل الله بهم بعضهم علي , لأني يكون لدي ّقناعة بأن ما عندي هو الأفضل , وهو الأحسن , وهو الأسعد .
ما عندي هو ما كتبه الله , فكيف أري أن ما كتبه الله قليل , أو غير كاف , أو غير جميل , أو لا يناسبني . كيف أري نفسي أفضل نظرة من الله , وأكثر فهما . كيف أغضب من نقص شئ , أو أتبرم من مرض , أو أعاني من عدم رضا .
كيف لي أن أعدل في صفحة مكتوبة بيد الخالق العظيم . منذ يومين نظرت إلي فتاة ووجدت أن أكتافها عريضة بالنسبة لجسمها , فقلت بداخلي تقسيم جسمها ليس جميل , ثم أستغفرت الله كثيرا , كيف لي أن أفعل ذلك , كيف لشخص أن ينتقد صنع الخالق العظيم . كيف لي أن أجرؤ علي فعل ذلك .
وإذا أردنا القياس فالقياس كثير . فبعضنا يري أن فلانا رغم غبائه فهو أكثر مالا , وأن فلانة رغم عدم جمالها تزوجت سريعا , وأن فلان رغم فقره لديه أولاد . وأنه كيف فلان المسكين الفقير لديه أمراض ولا يمتلك العلاج .
ونظن ونحن نري ونتحدث أو نصمت أننا أصحاب رؤي واسعة , وأصحاب أفكار خطيرة , ولا نعلم مدي الحكمة في أن فلان فقير ومع ذلك مريض , لا نعلم أنه ربما له في الآخرة ما ليس لنا , أو ربما هو سبب دخول بعضنا الجنة بعطفهم عليه وتصدقهم .
الله سبحانه وتعالي خلق ولا معقب علي خلقه ولا علي حكمه . هو أعلم بما خلق وما يريد , نحن نحكم علي الظاهر , ولا نعلم ما تكن الصدور , وهو يحكم علي الداخل ويجازي من يستحق بما يستحق , وحتي لو كان هذا الشخص طيبا هادئا متعاونا ويحبه الناس ويدعون له , فليس الله بظالم له عندما حرمهمن نعمه ولا أختبره بنقمه , لأنه وحده العالم بما أعطي وبما منح , وهو الذي لا يظلم مثقال ذره , فلماذا ننصب أنفسنا آلهه , ونحمل أنفسنا ما لا نطيق .
لذا المتصالح مع نفسه ومع أقداره , والذي يحمل نقاء السريرة , وصفاء القلب وهدوء النفس من وجهه نظري هومن الزاهدين , وإن كان يحب الحياة , فالرضا بالمقسوم هو أعلي مراتب العبادة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق