المزيد

إيقاعات السقوط ..

 

 بقلم / حسنى فاروق ..

بدء .. كنا دائما نحلم بجدران لبيتنا !.
مدد يا صاحب المدد ، مدااااد ، انتفض ـ عطا الله ـ كمن يروض جسده على قبول دفقة سم قذفت بها إحدى الأفاعى فى لحظة فيض وسخاء وتألق لن تعود . والجسم أكلته العثة ، بادٍ كفقاعة أوشكت أن تلفظ أحشاءها ، والصبية منحدرو الأصول النجسة يتقافزون حوله كدويبات الجبن المعتق . بعضهم يرخى سرواله المرقع حتى كاحليه ، فينبجس البول بضغطة قوية على أم بطنه ـ أخرجت صوتا من فتق ظهره ـ ، وبعضهم يصوب أحجارا صغيرة ، قال واحد : صوبوا ناحية إصبعه الكبير النافر من حذائه ، وقال آخر : صوبوا ناحية رأسه ـ غور الفوضى ومقلاة الوشاية ـ ، وبعضهم يجوف كفيه صوب فمه قائلا : من أحب النبى يلتقط حجرا ، ومن أراد مجالسته يملأ حجره ، وبعضهم يدس عصاه فى مؤخرته ، والنساء فى النوافذ وفوق الأسطح وداخل البرك ، بعضهن وقفن عاريات إيفاء لنذورهن ؛ لأن الله قد أحاق بالرجل أقبح نازلة و أحقر قدر ، والرجل يتأبط دوره فى السقوط ، ويبعثر جسده نتفا كى يتفادى مكرا لا يبور .
والعمدة يدس فمه فى كتف نازة بالدهن ، ينادى أحد خفرائه ـ وسعلة غبية تسبك طقس التألق ، ورغم أنها مصطنعة ، كادت روحه تنفلت من حوزة صدره من فرط إتقانه ـ : جبر .. جبر ، يا طين البرك ، أخذت أقواله ؟.
ـ التهمة ثابتة كما المسمار فى الجسد .
ـ نفذ القانون يا ولد ، القانون واضح وصريح ، نحن فى بلد ديمقراطى ، خذ أقواله ، وتثبت ، المسألة فيها حياة أو موت . أم أنك تود أن يقول الناس أن العمدة خرق القانون و وزن بمكيالين ، ونهق حمار ـ سعد ـ الطوّاب فأسكته ـ ضاحى ـ الخفير بمؤخرة بندقيته .
تململ ـ عطا الله ـ فى رقدته فأحدث خشخشة خافتة مع الحصى وجذاذ القش ، خَفَتَ نفَسه وعلا كمن يتقلب فى رقدته ، رفع رأسه غير مكترث لجسده الملقى جرّاء عبثية ذوى الخبرة ، متفرسا عبر فرجة العين المغللة بالدمع والطين ملامح بضعت شرايين أشعاره ، فأغرقت الأرض بعطن المنفى ، قال بعد أن بصق دما ، وفى ذيله نفس أو بعض نفس ، نفس متبل برقاب الزجاجات وسلاء النخيل : غدا ـ عطا الله ـ تربة غير مملحة ، يدس فيها محترفو التلقين مباضعهم . أنا برئ ، قل لهم يا شيخ البلد ، قل لهم ، أم أن كلام الفقراء غدا شوكة فى باطن قدمك ؟.
ـ ما هو اتجاهك الدينى ؟؟
ـ وما شأن الدين ؟!.
ـ كيف أنت يا بن جوّابة القرى ؟.
ـ ألست واحدا منكم ؟! ، هه .. ألست واحدا ؟!.
أقعى ـ عطا الله ـ وطأطأ رأسه ، وهو يكبح قدح عرق نفر دما ، ثم رفعه ، قال : أمى .. عندما أتاها الطلق نارا ، ألقت عن رأسها رصة الجلة ، وكذا أخى الصغير اللابد فى صدرها ، يعض ضرعا كجلد مشدود أذبلته ضحالة الدماء ، ويغرس أظافره طمعا فى قطرة عالقة داخله ، عضت لحم إخوتى الفائح شياطا ، فاتسعت شقوق الجروح التى توحدت بأجسادهم ، رفست وتنططت وانكفأت ، وضغطت على أم بطنها حتى كاد الدم يطفر من جلدها ، وكل فتوق جسدها ، وأخوتى .. بعضهم يمضغ جلبابه ؛ ربما من الجوع ، ربما من الفرح لمقدم نسخة أخرى تتراقص فى دائرة التحطيب ، لتنتقى مقعدا فى برواز الفقر ، وبعضهم يرشق بالحجارة طيورا آتية من بعيد تسلل ناحيتى ، ومع كل حجر يقولون : دكر .. نتاية ، وأبى يزيح عمامته بيده فتخر جواره جثة مصفاة من الدم ، يتحسس قلة الماء ، يرفعها إلى فمه ، فيندلق الماء إلى قاع شرق ، وبلحة زوره تعلو وتهبط كصدر أنهكته أدوار التورط ، يصغى لصوت القابلة التى تدس يدها فى غور البطن المستوى فى العناد . يا بطن ألفظ حشاك ، وخذ حذرك ، ويا أرض تذللى لوطآت أقدام تعرف طريقها إلى أحوزة الإدانة.
فى الثالثة من العمر ، كان حِجر أبى غورا غويطا تعجز أمى أمامه عن الإيقاع بى ، وإنزال أشد عقاب بجسد بلله نز الملح ، وإذا بكيت أطلقنى فى الهواء مرات ، نضحك فى هستيرية ، ونتسلى بهتك تحرز امرأة أفحمت قلبها فى صبر مصطنع ، وفى خلسة أطيح بعمامته ، وأبول فوق رأسه .
فى السابعة من العمر ، كنت كبلحة غضة استماتت فوق شماريخ نخلة تقف هناك على استحياء فى مواجهة ريح غبية ، كنت أستوى فوق كتف أمى آخذا من رأسها متكئا لرأسى ، وقدماى تتدليان حتى جاوزتا صدرها . كانت تغدو بى وتروح فى أرجاء البيت ، تسّاكب فوقى قشور السقف الطينى المفكك بفعل المطر ومدد الجوع ، وكذا مناخ أذكته حكايا أمى عن ـ أبو رجل مسلوخة ، وجنية البئر ـ رعبا وتشبثا بعنقها الذى نشف قبل أوانه ، وكذا أغان حيكت فقط كى تكشف عن قسوة هذا الزمن بغية نومى ، وتقية أفاعيل قلما يقوم بها أمثالى ، يتداعى صوتها ، تتوقف ظانة أننى صيد سهل يرتمى فى شباك محكمة لصياد عتقه البحر ، لكن ذيل الكلب جبل على عوج ، كنت أنفلت من حوزة ذراعيها حول قدمىّ وهى تقول : العتب مش عليك .
كنت ألحق بالصبية ، ندس أصابعنا حتى آخرها فى قعر علب بها بعض فتات من الحلوى ، نلحس أصابعنا ، ثم نبول فى شقوق الأفاعى ، وعلى حوائط ذوى النفوذ ، نستبق إلى قلب القنطرة ، يمسك الواحد منا ذيل الآخر ، ثم نعدو فى الدروب والأزقة ومقالب المهمشين قائلين : قطر بابور يا أبو زمارة ، قلّو فى بيتنا العذارى ، وقلّو من القلة ، يقال : قل الشئ إذا انتقص أو انتكس أو انتكث أو انتكص .
كنا نرى البنت ـ ولاء بنت سلمان ـ وهى ترقص ليلة زفاف ـ فضل ولد العمدة ـ ، يا دين النبى ، تنفض عن جسدها قذائف ألقتها عيون توّاقة إلى جسد مستفز ، مخدر بفعل النضوج ، جسد مكشوف الحواف والقيعان ، على سماء وعيون برزت عن الإطار المسموح ، يستهويك إلى جحره ، ينزغ بين أعضائك ، يشى بك إلى فوضى القاع ، لكنه يجبرك على التراجع لحظة المباغتة ، لحظة فك رموز الحقد ، لا يكفيها ذلك القدر المستتر من البوح ، فتلفظ المخبوء ، وتهتك حرمة السر ، وتلين صلابة القرار ، تطحن وتنخل وتعجن قلوبا مركونة فى زوايا صدور أنهكتها مسامير النعش فتلكز أصلابا يبسها الجوع ، وتريق لعابا ألجمته ملوحة الإهمال وعدوى تقمص الإقعاء ، تسبك مناخ السقوط بصوت تنحفر لمسته فى الداخل كأريحية الموسىّ . يا سماء أقلعى حياءك ، ويا أرض تثبتى لفاصل من الرقص ، غدت الأعين كرصاصات مدربة ، تتقصى ، تتحسس صيدا فى بركة كدرة ، والقلوب كألسنة مقطوعة ، تهذى ، تستعذب خناجر الخيانة ، وإيقاعات السقوط تنذر بكارثة مروعة ، وعصا سيدنا تلهب مؤخراتنا ، لكنا لا نأبه ، وشعور قاس ومرير يسكب فى الداخل طعم الغيرة والحسد والعجز ، اهبطوا فإن لكم ما سألتم .
ـ ………………… ألست من أنصار المذهب الجديد فى الشعر ؟.
ـ غدوت تفهم فى الشعر يا لحّاس الأطباق ، أى مذهب ؟.
ـ مذهب الشعرقراطية .
ـ وما العيب فى ذلك ؟.
ـ إنك تخلط السياسة بدم الشعر والدين .
ـ وما الدليل ، آتونى بيتا ، شطرا .
ـ ألم تخبر البنت ـ ولاء بنت سلمان ـ عنك أنك تلج منها موالج لا تبوح بها فى خلوتها ، وأنك سخى بهذابة طبعك ودفء أعضائك ، وأنك وحدك تعرف قدرها وتعرف أين تثار شهوتها ، وأنك جموح كالرحى ، لحوح ككلب ، وأنك وهى كجسمين فى سروال واحد ، وأنك .. وأنك ، تمعن فى الرد ، خذ وقتك وحاذر ، كل كلمة تتفوه بها تلف فى صرة جرائمك ، وكل واحد معلق من عرقوبه ، ومن يحمل قربة مخروقة تنز فوق رأسه .
أفلت ـ عطا الله ـ رأسه ليتدلى حذو صدره ، تلبية لأحمال أتت أكلها فجأة ، فاعتصم بكفيه وحياء أرض منقوش بصرامة لا تمحوه أمطار الأزمنة وعبث الوشاة .
الأفواه الحذرة تنفث سما ، والآذان المفغورة تستعذب ، قال أحدهم : يستاهل ، عينه زايغة ، وقال آخر : جاته فقع عينه ، وقال ثالث : وإيه يعنى لما بص لبنت سلمان ، كفر ولا كفر ، وقال رابع : هوه العمدة كدة ما يحب حد يبص له فى لقمته ، وقال خامس وهو يشيح بوجهه ناحية الأرض : العمدة .. العمدة .. يا دى العمدة اللى طلع لنا فى البخت .
الصمت يوارى سوأة الوجوه ، ومزالق الألسنة ، و ـ عطا الله ـ أطال فى صمته فوكزه ـ جبر ـ ببندقيته فى أحد كتفيه ـ خلفت موءة مكتومة ـ : رد ……. ردت المية فى زورك ، تحسبها سائبة .
ـ وما شأن بنت سلمان ؟.
ـ أطرق ـ عطا الله ـ برأسه ناحية الأرض ، أفلت دمعات أبين إلا السقوط خفية ، وأسرّ لنفسه بعضا من كلامه وجهر ببعض : ـ ولاء ـ أزمنة اللامباح ، وأمكنة المحظور ، غدا فيها القلب قبرا أسكره نضج الهموم ، وسيجته وساوس الرقابة ، قبرا يجدد موتاه كلما استبدت به الرغبة ، غدا للحب وجه كوجهٍ مغتصب ، تحك به نظرات أفعاوية لا تطرف حتى تفتض لحمة المخبوء ، وتستوى فى لجة المحظور ، وجه ينزوى جانبا بدعوى أنه مهمش ، تاركا الساحة لمتسلقى الأكتاف والرقاب والبطون وأبناء آوى ، والرؤوس تكابد من الخدر حد الإماتة ، يغشاها موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، تتململ ، تتخلخل ، تتدلى ، وما إن تتدلى تتولى ، دنت فتدلت ، أى رؤوس باتت تسوّى فى قدر التجارب ، عندنا ما تريدون من دم ولحم شائط فى السلالات ، هزوا بأبواز أحذيتكم جسد المعاناة ، تروا براويز الإباحة ، وتعاويذ الغواية ، وتسّاقط أمامكم جرار المهزلة ، والزمن يمشى بالمقلوب ، والمقلوب الكل ، كل الكل ، والسماء تنظر على استحياء ، العين ترى جيدا ، وما باليد حيلة ، ووحده الموت يبطل فعل السم .
يكفى كى تنام رجلا فوق تربة هذه الأرض أن تتأبط مشاهد تحكى عن أزمنة جلدك ، وأن ترفس بقدميك كى تتفادى مكر المتسللين إلى امرأتك خلسة ، لن يجديك أن تمد يديك إلى من حولك ، فأنت منحدر الأصل ، لا عائلة ولا أرض ، لا طول ، لا عرض ، لا فعل ، لا رد ، فقط ……. عبد . اضرب بعصاك بطون نساء الأرض تسّاقط مسوخ التواريخ ، كل نساء الأرض شرهات ، مستهلكات ، لا تقصص رؤياك على أحد ، ثق أن من يهتفون لك ويصفقون هم أنفسهم من دسوا أصابعهم فى فتق ظهرك ، وهم أنفسهم من يحملون صورا تحوى وضعية قبرك . الذئب شره ، يأكل دون مائدة ، والكلاب كعادتها تخمش دويبات جسدها ، وتنكر رؤيتها المشهد .
ـ ……….. يا جناب العمدة ـ وضحك بشق واحد من فمه ـ ، هذا المجنون بن المجنونة ـ وصفعه على قفاه ، وكذا قرصة فى إحدى ذراعيه ـ يسرح بنا ولا أفهم منه شيئا البتة ، يماطل ويسوف كحكومة فاشلة ، يتلبس جلد العبيط كى ينسلت من فعلته كما الشعرة من العجين ، لكن على من ، هذا لو رأى حلمة أذنه ، ولعق قفاه ، وجاز البحر ولم يبتل .
ـ حمار ، غبى ، هو يتحدث عن العولمة ، حاذر ، لسانه فالت منه .
ـ يعنى أنه يلج أمكنة دونها الموت ، عاقبتك مثل وجهك يا ـ عطا الله ـ ، والعمل ؟!.
اسمع يا ولد : ـ عطا الله ـ ………… دون مواربة ، غدا كعصا التحطيب ، عمياء ، لكنها تطأ مواطئ محكمة من الرؤوس ، تجرأ ، تطاول ، خف واستخف ، تسلل ، تلصص ، أيقظ ، باغت ، انتهك مفردات جسد مطواع ، قرأ فى أذنيه تعاويذ القصائد المخصية ، وأطلق عقال حمى ـ رعشة لا يعرفها إلا المحنك المجرب ـ واستوطن أرضا ، وتطرب لإيقاع لغة رصينة ، وسبك أكثر رصانة ، واستعذب العدو فى لجة من انفلات القوافى ، لاك وقرص ، بعثر واستوى ، تدلى ثم هوى ، تمادى ومسخ النص وتكوينات دم وطين ، شرب قدور الإباحة ، لعق شاربه ، ابتلت عظامه ، أكلت الطير من رأسه ، أنكر طقوس التوبة ، لا الصفعات أسقطت قناعه ، ولا الركلات لفظته أعضاءه ، ولا البصاق سقر سحنته .
ـ العمدة خرف ، صواميل عقله فكت ، العولمة لحست دماغه .
ـ قال العمدة : يعتق السمُ فى مرائر الحشرات ، وإذا كنت سياسيا فأحكم الغرزة ، بلل أوراقك بعرق الجوعى ، ونط فوقها سبعا ، وكل شيخ وله طريقة . والفتاة .. احذروا الفتاة ، غدا من السهل اقتناص الفتاة ، آثار جمة تفضح مكانها ، أدلة قاطعة مانعة تفضى إليها ، يمكنك أن تحوز الهدف إذا تتبعت مزق سراويل الرجال .
نملت يدا ـ جبر ـ الخفير ، وانفلتت بندقيته ، واصطك الدبشك بالأرض ، قال : والعمل يا عمدة ، المسألة غدت خطيرة ، والوضع حرج ، والناس أكلت وجوهنا .
ـ نقطع لسانه .. قديمة ، نجلده .. قديمة ، نطفئ أعقاب السجائر فى ظهره .. قديمة ، نطرده .. قديمة ، …….. قديمة .
فى تلك اللحظة بدا الأمر فى رأس ـ عطا الله ـ أسهل من نزع شعرة جنحت من حاجب كث ، وأنكى من صفعة فوق الوجه ، وأكثر جرسة من حمار طارد أتانا فى عرض الطريق ، فطن وعقد الفكرة ، تقوس ، وتلوى ، ركض وهم وراءه ، يصرخ ، يخبط رأسه فى اللاشئ ، يتنطط ، ينكفئ ، لكنه يركض ، وهم وراءه ، يهش جسدا متبلا بعرق المباغتة ، لا يخمد شواظه غير فيض من الشفافية ، جسدا صّير القلوب مسخا بين يديه ، والقلوب كحمامات صغيرة تستكين فوق الماء ، تتقن دورها .. تلهب فسقوط فترمد .. ، يصرخ : جادلتهم وأكثرت جدالهم ، وما استيقنت قلوبهم ، وما ضعفوا ، وما استكانوا ، لكنهم استماتوا ، يرقص ، لكنه يركض ، يسب ويلعن ، يقسم ويتوعد ، لكنه يركض ، يرفس بقدميه ، يشيح بوجهه ، ويشرخ بعينيه السماء الموغلة فى الصمت ، يغمض عينيه ، يلف ، يدور ، يتصاعد الدخان من رأسه وكل فتوق جسده ، يسمع همسا : مد يدك ، أوشكنا . وقال آخر : قطع نفسنا الله يقطع نفسه ، وقال ثالث : كلما اقتربنا منه خطوة بعد عشرا ، وقال رابع : الخوف يفجر القوة ، الحقد .
يملأ صدره بالهواء المفخخ بخناجر الوشاة ، يتقشر جلده الميت كى يتلبس جلدا أكثر نعومة ، يلملم ذيل جلبابه المتطاير خلفه ، يضعه بين أسنانه ، يهمس : أى وجه أغبر رأيته أول ما رأيت اليوم ؟!، يملأ صدره بالهواء للمرة الألف ، تمر عليه أزمنة لا يعرف مداها ، وكذا وجوه ارتسمت عليها إخفاقات التواريخ ، يصرخ : الكَسرة حسرة ، والحسرة عسرة ، والعسرة عثرة ، والعثرة ريح مسخ ، يا ريح يا عفية ، لا تدقى عظامى الباقية من زمن الخيول ، لا تقصى دفاترى الباقية من سمائى المستحية ، وصدر أمى الذى عشش فيه نشع البكاء ، لا تبعثرى صورنا كى لا تبين الفضيحة ، مئات الأزمنة ونحن فى القاع ، يحجب عنا الرؤية عكارة السطح ، من يغافل كومة من الكلاب تستطيب عظمة ، من يتسلق جثة استوى على حدودها فيض من الدود ، من ؟!، يخبط رأسه فى اللاشئ ، ينكفئ ، يتنطط كما سمكة تطمع فى القفز من قدر الزيت ، يهمس : فى الزمن الغابر ، كانت العصا لا تفارق يد أمى ، تضرب بها الأرض أمام البيت كى لا تحط الطيور الآتية من بعيد فوق جثة أبى السنهة ، قلبها لسان لهب ، وعروقها فتيل ، ودماؤها مداد ، كانت تغفو فتصحو على جرس الطيور وهى تنسل جذاذ أبى ، فتزيد من ضرب الأرض ، ويثور غبار ، تسعل وتشد على يده وهى تقول ـ والسعلة حصاة فى الزور ـ تجلد ، هش غريب ، تضرب بعينيها ، تطمئن على أن الخرائب والمقابر ورؤوس الحمير المبقورة لا تسكنها الطيور ، تثير الحب وفتات الخبز كى تحيك سدا منيعا يحول بين الطيور وزوجها .
أزمنة مرت و أزمنة تمر ، طامعة فى التوحد بين قلبين فرقت بينهما ملوحة الأصفاد ، تردف : ـ شرف ـ لم يمت ، أنا أسمع قرقرة دمائه تسّاقط من قلبه ، يا طير يا مغرب يا طير يا مشرق ، هل رأيت رجلا يضاجع جسد الغربة فتسّاكب منه لغة الرفض ، إن رأيته أخبره أن العصا لا تفارق يدى ، وأن القلب الذى يعرف الحب شره إلى مائدة الطعنات .
قال الشاعر : ليست الصعوبة فى مواجهة الريح ، لكنها فى الصبر على المقاومة . يرقص ، يرفس ، يسّاقطوا وراءه ، لكنه يركض ، يصرخ : مداااااااد يا صاحب المدد .تمت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق