مقالات

قصة بوليسية أدبية – بعنوان – سر الزاويةالحلقة الأولى

 

بقلم على الحُسينى
فى ليلة من ليالى الشتاء القارص فى يناير من عام 1956 فى ضاحية من ضواحى القاهرة خرج عم حسن كحك بائع الكحك الشهير وهو يحمل سبته الذى أعدته له زوجته منذ المساء بما تسوق من الأفران من كحك بمختلف الأحجام منه المضفر ومنه الشُريك ومعه أيضا المحشى بالعجوة والملبن ومعه البيض والملح والجبن والفطير وكان ينده بصوته الجهورى صميييت الكححححك ال شووووووووووووريك بييييض وبالجِبنااااااااااااا عجميااااااااا — وكان ربما يلتقى بأحد المارة ذاهبا إلى عمله وهو يجوب الحارات فيأخذ منه الأصطباحة والتى تعنى الأفطار عند أولاد البلد ثم ينفحه بالقرش ثمن الصميته وقطعة الجبن أو ثمن الصميتة والبيضة وكان يحمل فى طيات سبته خيرات ويخرجها وكأنه بابا نويل الحرافيش فكان لديه الجبن القديم — وقطع الجبن الناستو الدائرية والمثلثة
والجبن الأسطامبولى الأبيض حتى الجبن القريش والزبد والقشطة كانوا من محتويات سبت عم حسن وكان هو رجل بدين بدانة ظاهرة وذو خطا كأنها خُطا المحمل تأرجح جسده يمينا وشمالا وكان يرتدى جلباب من قماش الزفير المخطط
ويضع على رأسه طقية من نفس الرداء وكان يتسم بالطيبة الشديدة مما تجعل الناظر إليه يظن أنه أنسان غبى أو قليل الذكاء — ولكن الرجل فى الحقيقة كان يجيد القراءة والكتابة ومن طقوس يومه أن يشترى صحيفة الأهرام كل يوم مساء- وكان حسن يخرج كل يوم فى الثالثة مساء قبل الفجر فيجوب الحارات وهو ينده على بضاعته فإذا حل وقت الفجر وأذن الأذان ذهب للصلاة مسرعا فى الجامع القريب من الحى — ولكن فى تلك الليلة وبعد أن جاب عدة حارات خرجت له سيدة من تراسين لها وكانت سادلة شعرها على كتفها وتلبس قميص نوم وردى يكشف ذراعيها وصدرها وجزء من ظهرها وأنزلت من تراسينها سبتها الخوص الذى كانت تستخدمه سيدات هذا الزمان للتعامل مع الباعة الجائلين بدون أن تغادر أعشاشها وطلبت منه أربع من أرغفة الفينو وأن يحشوهما بالقشطة وبسرعة لبا عم حسن الطلب ولف الأرغفة ووضعهم لها فى السبت وكانت قد وضعت له فى السبت ربع جنيه مصرى وما إن ألتقط الرُبع حتى رفعت هى سبتها مسرعة فقال لها عم حسن وهو ينظر للأعلى وكأنه ينظر لبدر أو جنية — لسه فيه باقى يا ست
ولكنها بادرته قائلة خلى الباقى علشانك يا عم حسن فرد قائلا بس ده كتير فقالت له رزقك ودلفت مسرعة للداخل — أخرج عم حسن محفظته ووضع الربع جنيه بعد أن قبل ورقة العملة ووضعها على رأسه فى حركة سريعة وهى طقس من طقوس أولاد البلد والبائعين عندما يحصلون على أول جنيه أو أول قرش نظير عملهم صباحا وحمل عم حسن سبته ومضى وهو منشرخ الخاطر وراضيا بما رزقه الله فمد صوته وهو يقول الصمييييييييييييت شووووووووووريك ثم أكمل جولته كما تعود كل يوم — وفى المساء رجع لزوجته وأولاده وبشرهم بالربح الوفير وكان قد أشترى لهم عشاء مكون من جزل السمك البلطى وسمك الثعابين المقلى كما كان محملا لهم بالفجل والخبز — وأكل مع الزوجة والأبناء الذين كانوا ثلاثة من الصبية وفتاة جميلة أسمها كوثر ما زالت فى الثالثة من عمرها وكانوا يتضاحكون ويتسامرون طوال المساء وهم بسمعون نشرات الأنباء والغناء الذى يبثه الراديو وخصوصا أغانى أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد — ولم يمض وقت ودقت الساعة العاشرة واعلنها المذيع فى المذياع — فذهب عم حسن للنوم وامر الأطفال بالذهاب للنوم من أجل المدرسة صباحا — وقام هو وزوجته لأعداد بضاعة الغد ومن ثم بعد انتهيا من أعداد السبت والبضاعة أوى الزوجان للفراش وتحدثا هنيهة ثم طلب الرجل من زوجته أن توقظه فى الثانية والنصف صباحا ليقوم بما تعود عليه من عمل كل يوم ولم يمض وقت حتى ملأ غضيض الجميع الحجرة والصالة التى يعيشون بها ونسوا المذياع الذى أعلن عن أنتهاء البث فى الثانية عشر بعد تلاوة قرأنية قصيرة وأخذ يصدر صوت شوشرات وغطيط فاستيقظت الزوجة وأغلقته ثم ذهبت فى نوم عميق فوق سريرها النحاسى ذو الأعمده –
فى الثانية والنصف إيقظت الزوجة زوجها من أجل الذهاب لعمله وبالفعل قام الزوج وجمع بضاعته وحاجاته وخرج مودعا الزوجة وهو يوصيها على مواعيد ذهاب الأولاد للمدرسة وكان يتذكر جيدا الحارة التى قابل فيها الزبونة التى نفحته ربع جنيه فأحب أن يمر بها كأول حارة لربما تخرج تلك الزبونة وتنفحه كما نفحته بالامس ولكنه قال لنفسه الأرزاق على الله ولم يغير خط سيره وسار ببضاعته كما تعود كل يوم وبالفعل بلغ الحارة التى تقطن بها تلك السيدة بعد عدة حارات أجتازها وكان قد قابل بعض المارة الذين أشتروا منه — وعندما بلغ بيت السيدة الذى كان مازال يتذكره مد صوته هاتفا الصمييييتت الشوررررررررررريك بييييض جبناااااااااااا قششششششششطة – ويبدو أن الحظ ابتسم له فخرجت الحسناء مسرعة ونادته ياعم حسن يا عم حسن فقال نعم أامرى يا ست فقالت له زى أمبارح والنبى فأعد لها طلبها ووضعه فى السبت المتدلى ولكنه لم يجد أى عُملة وبادرته الحسناء قائلة انت عندك عيال يا عم حسن فقال لها ربنا يخلى ليك لو عندك ويعوض عليك لو لسه ويفرحِك – عندى أربعة ثلاثة أولاد وبنت — فقالت له طب أطلع علشان عندى شوية هدوم حديدة لهم وكمان علشان تأخد حق الأرغفة فرد قائلا خييرك سابق يا ست فردت قائلة علي أيه أطلع بس أطلع – وصعد عم حسن ليجد الحسناء تعطيه حقيبة مليئة بالملابس منها ملابس أطفال ومنها ما هو للكبار وكانت كأنها ملابس جديدة لم برتديها أحد من قبل وقالت له وهى تعطيه الحقيبة يا ريت يا عم حسن ما تردش إيدى وتقول للولاد إنى زى خالتهم –أبدى الرجل عميق شكره لللسيدة وهم بالأنصراف ولكنها أصرت أن تعطيه ثمن الأرغفة وكان الرجل يرفض بإصرار ولكنها أصرت وقالت له إن هذا عمله ورزق أولاده —وأن ما أعطته أياه من ملابس إنما هو هدية أخت لأخيها
فشكرها جدا وسألها من باب الفضول قائلا أومال فين البيه علشان نتشكر له كمان ؟؟؟ فردت قائلة هو حاليا على رجوع من عمله فهو مهندس فى شركة الحديد والصلب ودائما ما تكون وردية عمله فى المساء ثم أردفت قائلة عاوزة منك خدمة يا عم حسن ممكن ؟ فرد الرجل الطيب قائلا أنت تأمرى يا ست هانم فسكتت هنيهة وكأنها تستجمع ما تقول وقالت غدا لما تعدى من الحارة هبوص لك أبقى أطلع علطول علشان عندى سجادة قديمة وأريد أن أتخلص منها فى مقلب القمامة وكما ترى البيه بيجى الصبح تعبان وما فيش حد يحملها
أبدى عم حسن تعاونه وقال ياسلااااام بس كده ؟؟ بكرة بأذن الله هخلصِك منها
رجفت شفاة الحسناء وهى تقول يكون لك الشكر يا عم الحسن
كان فى عينيها وملامحها ما يبدو أنه سر خطير غامض — ولكن البائع الطيب لم يلحظ شئ
———————–
الحلقة الأولى
بقلم على الحُسينى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق